شفافية المصادر المفتوحة ترسم ملامح مستقبل الذكاء الاصطناعي السيادي
بقلم: هانز روث، النائب الأول للرئيس والمدير العام لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا لدى "ريد هات"

في مطلع عام 2025، أشرت إلى أنَّ فترات عدم اليقين تتطلب مستوياتٍ أعلى من التحكم التشغيلي ومرونة أنظمة تكنولوجيا المعلومات. واليوم، تحوَّلتْ تلك التحديات إلى واقعٍ دائم يعيد تشكيل رؤية المؤسسات حول العالم لمستقبلها الرقمي. ومع انتقال الذكاء الاصطناعي من مرحلة التجريب إلى صميم العمليات المؤسسية، فرض هذا التحول ضغوطاً غير مسبوقة على البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات، ما جعل الرقابة التشغيلية الصارمة معياراً أساسياً للنجاح. كما أصبحت المؤسسات بحاجة إلى قدرٍ أكبر من التحكُّم في كيفية تشغيل الذكاء الاصطناعي ومواقع تشغيله، إلى جانب اعتماد نهج موحد لإدارة التقنيات سريعة التطور مثل الذكاء الاصطناعي الوكيل.
ولفهم كيفية تعامل قادة تكنولوجيا المعلومات مع هذا المشهد المتغير، أجرت "ريد هات" مؤخراً استطلاعاً شمل 500 من صناع القرار في هذا المجال عبر عدد من الأسواق الرئيسية. وأظهرت النتائج أن التحكم أصبح ضرورةً استراتيجية للمؤسسات الحديثة، ويشمل ذلك التحكم في البيانات، والبنية التحتية، والعلاقات مع مزودي الخدمات. وتنظر المؤسسات إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه قدرةً استراتيجية تقوم على الانفتاح والشفافية والمرونة، باعتبارها ركائز أساسية لبناء قدرات سيادية مرِنة. ويتطلب تحقيق هذا المستوى من المرونة امتلاك القدرة العملية على نقل أعباء العمل وضمان استمرارية العمليات في حال حدوث تغيراتٍ في العلاقة مع أي مزود.
خطط خروج من الأزمات وتنامي أهمية الاستقلال الذاتي
وضعت العديد من المؤسسات ما يُعرف بـ"استراتيجيات خروج" تحسّباً للتحديات التقنية أو الجيوسياسية. وتُظهر أبحاثنا أن 63% من الشركات تمتلك خطة واضحة للانتقال إلى مزوّد بديل للذكاء الاصطناعي في حال أقدم مزوّدها الرئيسي على تقييد الوصول إلى خدماته بصورة مفاجئة، إلا أنَّ تنفيذ هذا الانتقال دون تعطُّل ينطوي على صعوبات؛ إذ يقرّ نحو 40% ممن لديهم خطة قائمة بأن عملية التحوّل قد تتسبب في إحداث اضطرابات تتراوح بين المتوسطة والكبيرة في استمرارية الأعمال، فيما تفتقر نحو 30% من المؤسسات إلى استراتيجية خروج واضحة من الأساس.
وتكشف هذه الفجوة أنَّ وجود استراتيجية على الورق ليس كافياً، إذ يتطلب سدّها إحكام التحكُّم بالمنصة الأساسية. ويوفر هذا النهج للعملاء إمكانية الاستفادة من بنيةٍ متسقة تتيح لهم نقل أعباء العمل بسلاسة عبر مختلف البيئات. وتشمل الاستقلالية التقنية القدرة على ضمان استمرارية تشغيل الأنظمة، بغض النظر عن وضع المزوّد أو التغيرات الجغرافية. ولمساعدة المؤسسات على تقييم جاهزيتها، نقدّم "أداة تقييم جاهزية السيادة الرقمية من ريد هات"، وهي أداةٌ ذاتية الخدمة تمكّن الفرق من تحديد خط أساسٍ واضح، ووضع خارطة طريق نحو مستقبل رقمي أكثر مرونة.
الثقة بوصفها ضرورة تقنية
ترتكز الثقة في الذكاء الاصطناعي على القدرة على التحقق المستمر مما يقوم به النظام، في أي وقت وأينما كانت منصة العمل. وفي دراستنا، أشار 79% من قادة تكنولوجيا المعلومات إلى أنَّ الشفافية وقابلية التدقيق تُعدّان من أبرز مزايا المصادر المفتوحة في بناء الثقة ضمن استراتيجيات الذكاء الاصطناعي لديهم خلال السنوات الثلاث المقبلة. وجاء بعد ذلك مباشرة احتياج المؤسسات إلى قدرات التخصيص لتلبية المتطلبات التجارية والتنظيمية بنسبة 77%، فيما حلت أهمية تعزيز التحكم في كيفية بناء أنظمة الذكاء الاصطناعي وأماكن تشغيلها في المرتبة الثالثة بنسبة 75%.
تشير هذه النتائج إلى أنَّ "الثقة" أصبحت متطلباً تقنياً؛ إذ لا ترغب المؤسسات في الاعتماد على نظام احتكاري لا يمكّنها التعرف على كيفية تدريب مكوناته أو تهيئتها. وتبحث المؤسسات عن ثقة أعلى يقودها المجتمع بنسبة 71%، وتقليل الاعتماد المفرط على مورّد واحد (Vendor lock-in) بنسبة 69% لدعم ابتكاراتهم على المدى الطويل. وتعد هذه الرغبة في الانفتاح كبيرة جداً لدرجة أن 77% من المؤسسات ترى أنه ينبغي إعطاء الأولوية لمبادئ المصدر المفتوح، مثل الشفافية، وقابلية التدقيق، وتراخيص المصادر المفتوحة، لمساعدة المؤسسات على تحقيق سيادة الذكاء الاصطناعي.
حوكمة التقنيات سريعة التطور
يزيد الاعتماد السريع على الذكاء الاصطناعي المستقل أو الوكيل من تعقيد الحفاظ على السيطرة، حيث تشغّل هذه الأنظمة مسارات العمل وتنفيذ الإجراءات بصورة مستقلة بدلاً من مجرد الإجابة على الأسئلة. وتظهر بياناتنا أن 88% من المؤسسات تستخدم هذه الأدوات بالفعل، إلا 31% منها فقط تشعر أن لديها حوكمة قوية مطبقة. ويشكل هذا النقص في الضوابط الوقائية خطراً على الأمن التشغيلي والسيادة.
ويتطلب تحقيق الإمكانات الكاملة للذكاء الاصطناعي اعتماد الشركات على طريقةٍ لحوكمة هذه التقنيات سريعة التطور. وقد تعاونّا مؤخراً مع "مصنع تيلينور للذكاء الاصطناعي" (Telenor AI Factory) لتلبية متطلبات توطين البيانات، مع دعم تدريب واستدلال نماذج الذكاء الاصطناعي على نطاق الإنتاج. ومن خلال توحيد المعايير استناداً إلى منصات الذكاء الاصطناعي والسحابة الأصلية من "ريد هات"، يوفر مصنع تيلينور للذكاء الاصطناعي للعملاء أساساً محايداً تجاه الموردين، يسهّل قابلية النقل ويحافظ على السيطرة الوطنية على البيانات والعمليات. ويوفر هذا النهج الضوابط الوقائية المدمجة اللازمة لنشر أنظمة الذكاء الاصطناعي في بيئات الإنتاج ضمن البنية التحتية منذ البداية.
بناء الأساس السيادي
تعمل البرمجيات المؤسسية مفتوحة المصدر كأساسٍ مشترك للاستقلالية الرقمية، فهي توفر الاستقلال التقني والسيطرة اللازمين لتجنب الاعتماد المفرط على مورد واحد، مع الحفاظ على إمكانية الوصول إلى الابتكارات العالمية. وقد شهدنا ذلك حديثاً على أرض الواقع مع شركة "أورانج بيزنس" (Orange Business): إذ دمج شريكنا منصة (Red Hat OpenShift) في منصتها السحابية السيادية (Cloud Avenue)، الأمر الذي ساعد العملاء من المؤسسات في تحديث تطبيقاتهم مع الحفاظ على السيطرة الكاملة على بياناتهم وبنيتهم التحتية.
يتيح نهج السحابة الهجينة المفتوحة الذي نتبناه الحفاظ على توافق المؤسسات مع القواعد المحلية واستراتيجية البنية التحتية طويلة المدى الخاصة بها. وعلى هذا الصعيد، ستواصل قوانين السيادة تطورها، مع استمرار الحاجة إلى المرونة باعتبارها ضرورةٍ دائمة. وستكون المؤسسات التي تعطي الأولوية للاستقلالية التقنية اليوم مجهزة بشكل أفضل لصياغة مصيرها الرقمي، وقادرةً على تجاوز تقلبات السوق من خلال الحفاظ على سيطرتها على حزمتها التقنية؛ وعليه فإنَّ تحقيق السيادة الرقمية يتيح للمؤسسات إمكانية الابتكار دون التقيد بشروطٍ خارجية.
اعرف أكثر عن السحابة السيادية من "ريد هات" (Red Hat Sovereign Cloud) واتخذ خطواتك الأولى في تقييم مدى جاهزيتك للسيادة الرقمية (assessing your digital sovereignty readiness).
المنهجية
تم إجراء البحث بواسطة شركة (Censuswide)، على عينة مكونة من 500 من صُنَّاع القرار في مجال تكنولوجيا المعلومات عبر الأسواق التالية: 100 في المملكة المتحدة، و100 في هولندا، و100 في فرنسا، و100 في ألمانيا، و100 في إيطاليا (أعمارهم 25 عاما فأكثر). تم جمع البيانات في الفترة ما بين 20/03/2026 و25/03/2026. تعد شركة (Censuswide) عضوا في جمعية أبحاث السوق (MRS) والمجلس البريطاني لاستطلاعات الرأي (BPC)، ومن الموقعين على التعهد العالمي لجودة البيانات. نحن نلتزم بمدونة قواعد السلوك الخاصة بجمعية أبحاث السوق (MRS) ومبادئ الجمعية الأوروبية لأبحاث السوق والتسويق (ESOMAR).






