من الأجهزة الافتراضية التقليدية (Legacy VMs) إلى "عقل الشبكة": 2026 عامٌ مفصلي لمنظومات سحابة الاتصالات المشتركة (Common Telco Cloud)

بقلم: فران هيران، نائب الرئيس والمدير العام لقطاع الاتصالات العالمية في شركة "ريد هات"

يعد "مكمن القيمة" محور تساؤلٍ جوهري لمزودي الخدمات عبر قطاع الاتصالات، وتتطلب الإجابة على هذا السؤال دراسة واقع قطاع الاتصالات من حيث قدرات الابتكار من جهة، وتحديات الربط بين هذه القدرات وحسابات الأرباح والخسائر من جهةٍ أخرى. وعلى مدار السنوات، اتّسم مشهد قطاع الاتصالات بوجود فجوة كبيرة بين الضجيج الإعلامي والواقع، وهي حقيقةٌ أيقنتُها خلال مسيرتي المهنية التي ركزت على ردم الفجوة بين الجوانب الهندسية ومجالس الإدارة، والعمل في قطاع الاتصالات منذ عصر خدمة الحزمة العامة للراديو (GPRS) وصولاً إلى الجيل الخامس (5G).

وبالنظر إلى آفاق عام 2026، نشهد توجهاً نحو الابتعاد عن المشاريع العلمية المكلفة، ونمضي قدماً نحو تبني سحابة الاتصالات المشتركة (Common Telco Cloud). وتُشكل هذه السحابة الأساس المشترك الذي يوفر كفاءة تشغيلية فورية، واتساقاً وبساطة أكبر، كما تفتح مساراتٍ جديدة للإيرادات وتتيح إمكاناتٍ أعلى لتقنيات الذكاء الاصطناعي والتحديث والأتمتة.

ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة في الأسواق سريعة التطور مثل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي تشهد تسارعاً في مسارات التحول الرقمي ونمواً في الطلب المؤسسي.

الأساس: منصة موحدة تغطي جميع التطبيقات والمواقع

تتمحور الرسالة الأبرز لهذا العام حول انتهاء حقبة "الصوامع الرأسية" (Vertical Silos)؛ فقد بُنيت شبكاتنا بالارتكاز على حزم تقنية من موردين متعددين، مع أدوات إدارةٍ خاصة بكل منها، وإدارة متباينة لدورة الحياة (Lifecycle Management)، ومتطلبات مادية محددة. وقد خلق ذلك بيئة معقدة ومجزأة يصعب تحديثها وتأمينها وتوسيع نطاقها. وتتحول هذه الطبيعة المجزأة إلى استنزاف مستمر للنفقات الرأسمالية (CapEx) والنفقات التشغيلية (OpEx)، ما يحول دون تحقيق شركات الاتصالات للكفاءة الحقيقية.

وتوفر سحابة الاتصالات المشتركة منصةً موحدة تمتد من مركز البيانات المركزي (Core Data Center) إلى موقع الراديو، وصولاً إلى حافة المؤسسة (Enterprise Edge) عبر السحابات الخاصة والعامة. ويتيح توحيد المعايير ضمن بيئةٍ متسقة ومرنة الانتقال من إدارة "جزر منعزلة" إلى إدارة شبكة متماسكة بأسلوب موحد. ولا يقتصر هذا المسار على كونه مجرد هيكلية هندسية؛ فهو ركيزةٌ أساسية للنمو المربح والكفاءة التشغيلية العملية اللازمة للازدهار في عام 2026 وما بعده.

التحديث الشامل: تقليل مخاطر الانتقال

تُعد هذه المنصة المشتركة العنصر الذي يتيح إمكانية إدارة التحديث الشامل (وعمليات ترحيل البيئات الافتراضية التقليدية الحتمية). وفي رؤيتنا المؤسسية، لا نؤمن بنهج "الإزالة والاستبدال الكامل" (Rip and Replace) لمجرد التغيير.
تتمثل رسالتنا بشركة "ريد هات" في توفير "منصة انتقال"، تتيح لمزودي الخدمات تشغيل أجهزتهم الافتراضية (VMs) القائمة جنباً إلى جنب مع الحاويات السحابية الأصلية (Cloud-native Containers) الحديثة على نفس الأساس المشترك. ويساهم ذلك في تقليل المخاطر المرتبطة بترحيل الوظائف الحيوية للأعمال، والحفاظ على استقرار الخدمات التقليدية، والمضي قدماً نحو بناء المستقبل باستخدام ذات المجموعة من الأدوات السحابية الأصلية، ما يعكس أهمية الانضباط التشغيلي وحماية الاستثمارات الحالية.

دمج الذكاء الاصطناعي كمكون أساسي: من "روبوتات الدردشة" إلى دماغ الشبكة

في حال كانت الأنظمة موزعة على خمس بنى تحتية مختلفة أو أكثر، يمثل تعميم الذكاء الاصطناعي على المستوى المؤسسي تحدياً كبيراً إن لم يكن مهمةً مستحيلة. ونشهد في هذا العام تحولاً نحو البنى القائمة على دمج الذكاء الاصطناعي كمكونٍ أساسي، وهو ما يعني تجاوز مرحلة العروض التقديمية "الجاهزة للذكاء الاصطناعي" إلى مرحلة النشر الفعلي والواسع النطاق للذكاء الاصطناعي وبتكلفة محدودة.

ويتمثل الهدف على هذا الصعيد في تحويل عمليات استكشاف الأخطاء وإصلاحها بشكل تفاعلي إلى إدارة استباقية ذكية، وفتح آفاق جديدة للإيرادات. وإذا ما تمكنت الشبكة من التنبؤ بعطل محتمل قبل ورود أي شكوى من العملاء، سينعكس ذلك كقيمةٍ تجارية مباشرة. ويستند النمو على هذا الصعيد إلى عدة ركائز، من أبرزها تمكين المشغلين من نشر خدمات قائمة على الذكاء الاصطناعي بسرعة، بدءاً من القدرة المحسنة على اكتشاف الاحتيال وصولاً إلى عروض أعمال شديدة التخصيص على مستوى الشركات. ويفضي الاعتماد على سحابة مشتركة إلى نشر نماذج الذكاء الاصطناعي بشكل متسق عبر آلاف المواقع، ما يحول الشبكة إلى "دماغ" قادر على إصلاح نفسه ذاتياً.

عامل السيادة: التحكم هو رأس المال الجديد

في قطاع الاتصالات الذي بات الذكاء الاصطناعي محركه الأساسي، تمثل البيانات التي تغذي هذا المحرك الأصول الأعلى قيمةً، لاسيما في مرحلةٍ باتت فيها السيادة الرقمية ضرورة أساسية للاستمرارية.

وتكتسب الشفافية وقابلية التدقيق والتحكم الكامل أهميةً غير مسبوقة للمشغلين في عالم اليوم، كما يتوجب عليهم الاعتماد على منصةٍ تضمن لهم السيادة التقنية، سواء كان ذلك لبناء وتشغيل "مصنع ذكاء اصطناعي"، أو الحفاظ على البيانات ضمن نطاق السلطة المحلية. ويكمن الحل على هذا الصعيد في السحابة الهجينة مفتوحة المصدر من "ريد هات" كحلٍ مثالي، حيث يتم فصل البرمجيات عن التجهيزات، ما يتيح حرية كاملة في اختيار الاستراتيجية الأنسب دون التقيُّد بخطة عمل مورد محدد.

الأتمتة الذكية: تخفيض زمن تحقيق الإيرادات

يجب علينا أيضاً معالجة إشكالية تقليص المدة من "شهور" إلى "دقائق". فعلى نحو تقليدي، كان نشر خدمة جديدة يعد تحدياً جسيماً بفعل الإجراءات اليدوية. وهنا يأتي دور الشبكة الذكية ذاتية الإدارة لتغيير هذه المعادلة.

واليوم، نساعد المشغلين على التحول من التهيئة اليدوية إلى التشغيل الذاتي الكامل، باستخدام منصة موحدة تدعم أحدث الابتكارات في مجال الأجهزة، وتكون مزوّدة بأتمتة ذكية مدمجة، بحيث يغطي هذا النهج الكفاءة والمرونة والاستجابة. وفي عالمٍ تتغير فيه متطلبات الأعمال بوتيرةٍ سريعة، فإن الشبكة التي يحتاج تحديثها لستة أشهر تواجه عبئاً حقيقياً. أما الشبكة التي تعمل على منصة سحابية موحدة ومؤتمتة، فلا يتم تحديث بياناتها بسرعة فحسب، بل تمكن المشغلين من توفير خدمات جديدة على مستوى الأعمال بوتيرة أسرع، ما يجعلها منصة لتوليد الإيرادات بشكل مستمر.

2026... محطةٌ مفصلية

في العام 2026، يتجاوز التركيز مرحلة التجريب إلى إيجاد عائد استثمار عملي ومثبت. وينبغي على مزودي الخدمات اليوم التفكير بجدية في كيفية تقليل التعقيدات التشغيلية والتكلفة، مع تحقيق قيمة تجارية ملموسة. ويعد هذا التوجه محور نقاشاتٍ معمَّقة نجريها يومياً حول كيفية بناء المنصات الكفيلة بالجمع بين المرونة والتحكم، حيث نشهد توجهاً متنامياً لمزودي الخدمات نحو نموذج السحابة المشتركة لتحقيق قدرة أعلى على التكيف مع التحديات المستقبلية.